Listen to the article
نرمين المفتي
ليست جريمة كركوك (8 تموز) مجرد قضية جنائية، بل إنذار بأن العراق لم يفشل في إعادة بناء مدنه فحسب، بل لم يبدأ بعد بإعادة بناء الإنسان.لم تكن الجريمة التي هزت كركوك مجرد خبر جنائي عابر، بل صفعة أخلاقية وإنسانية لمجتمع بأكمله. فحين يكون المتهمان طفلين لم يتجاوزا العاشرة من العمر، وحين تُتهم هذه السن الغضة، بحسب ما أعلنته السلطات، باستدراج طفلة في الثالثة من عمرها، والاعتداء عليها، وقتلها
ثم محاولة إخفاء الجريمة بإلقاء جثتها في مسبح لإيهام الجميع بأنها غرقت، فإن القضية تتجاوز حدود المحكمة، وتتحول إلى سؤال مؤلم عن المجتمع كله.
من الطبيعي أن يطالب الرأي العام بأقصى العقوبات. لكن العقوبة، مهما بلغت شدتها، لن تمنع الجريمة التالية إذا اكتفينا بمعاقبة الجناة وتركنا الأسباب التي صنعتهم. فهذه القضية ليست ملفاً جنائياً فحسب، بل جرس إنذار يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها ما يجري حولنا. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن العقوبة هو: ماذا فعلت الظروف القاسية المتعاقبة بالإنسان العراقي؟
على امتداد أكثر من نصف قرن، عاش العراقيون سلسلة من الانقلابات، والدكتورية، والحروب، والحصار، والاحتلال، والإرهاب، والاقتتال الطائفي، والتهجير، والفقر والفساد. وربما لا توجد أمة في المنطقة عاشت هذا القدر من الصدمات المتلاحقة خلال فترة زمنية قصيرة. ومع ذلك، بدت الدولة، بعد كل أزمة، مشغولة بإعمار ما تهدم من الحجر، ولم تمنح الاهتمام نفسه لإعادة إعمار الإنسان.
في علم النفس يوجد مفهوم يُعرف بـ (Intergenerational Trauma – الصدمة العابرة للأجيال)، ومضمونه أن الصدمات الكبرى لا تنتهي بانتهاء الحرب أو سقوط النظام أو هزيمة الإرهاب، بل تمتد آثارها إلى الأبناء والأحفاد عبر أنماط التربية، والخوف المزمن، والغضب المكبوت، وفقدان الشعور بالأمان. ولا يعني ذلك أن الصدمة تُنتج الجريمة حتماً، لكنها تجعل المجتمع أكثر هشاشة إذا بقيت تلك الجراح بلا علاج.
لهذا فإن الصحة النفسية ليست قضية طبية فحسب، بل قضية أمن مجتمعي. فكما نبني المدارس والمستشفيات والجسور، ينبغي أن نبني منظومة وطنية للصحة النفسية. العراق يحتاج إلى مستشفى أو مركز متخصص في كل محافظة، مع عيادات خارجية يسهل الوصول إليها، كما يحتاج إلى أخصائي نفسي واجتماعي في كل مدرسة، ولا سيما في المرحلة الابتدائية، حيث تتشكل الشخصية، ويمكن اكتشاف الاضطرابات السلوكية وآثار العنف والإهمال مبكراً، قبل أن تتحول إلى كوارث.
ولا يمكن إعفاء الأسرة من مسؤوليتها. فالطفل اليوم لا يتربى في البيت والمدرسة فقط، بل أيضاً عبر شاشة صغيرة يحملها في يده. يستطيع خلال دقائق الوصول إلى مشاهد قتل حقيقية، أو مواد إباحية، أو تطبيقات وغرف تواصل تستهدف استدراجه، أو ألعاب تقوم على العنف المفرط وتكافئ القتل والإيذاء، بينما تدفع خوارزميات بعض المنصات المستخدم إلى محتوى أكثر إثارة وتطرفاً لإبقائه أطول وقت ممكن. ولا يعني ذلك أن لعبة إلكترونية أو تطبيقاً بعينه يصنع مجرماً، لكن تعريض طفل صغير، لساعات طويلة، إلى محتوى يطبع العنف ويكسر الحواجز الأخلاقية، قد يصبح عاملاً شديد الخطورة عندما يقترن بالإهمال الأسري، أو العنف داخل المنزل، أو الاضطرابات النفسية، أو غياب التوجيه. لذلك لم تعد الرقابة الأبوية ترفاً، بل أصبحت جزءاً من حماية الطفل.
وفي الوقت نفسه، لابد من مراجعة قانون الاحداث، إن حماية الحدث الجانح تبقى هدفاً مشروعاً، لكن حماية المجتمع وحقوق الضحايا يجب أن تكون جزءاً من المعادلة أيضاً. والمطلوب ليس التخلي عن فلسفة الإصلاح، بل تطويرها بما يحقق التوازن بين إعادة التأهيل والردع في الجرائم الاستثنائية.إن جريمة كركوك ليست مجرد قضية جنائية، بل إنذار اجتماعي. وإذا تعاملنا معها باعتبارها حادثة استثنائية ثم انتقلنا إلى الخبر التالي، فسوف نكون قد أضعنا فرصة ثمينة لمراجعة أنفسنا. فالأوطان لا تقاس بما تبنيه من حجر، بل بما تحميه من بشر. وحين يصبح الجاني طفلاً، لا يكفي أن نسأل: من سيحاكمه؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: من سيحاكم تقصيرنا جميعاً في حماية الطفولة، وفي إعادة إعمار الإنسان العراقي، بعد عقود طويلة من الحروب التي انتهت في الشوارع، لكنها لم تنتهِ بعد في النفوس؟
ملاحظة: من المهم التأكيد أن الجرائم التي يرتكبها الأطفال أو الأحداث ليست حكراً على العراق، فهي وقعت وتقع في دول متقدمة ونامية على حد سواء، بما يكشف أن العالم كله يواجه أزمة متنامية في بناء الإنسان، في عصر تتسع فيه دوائر العنف وتتراجع فيه القيم أمام ثقافة التفاهة والاستهلاك الرقمي. لكنني اخترت الحديث عن العراق، لأن هذا المقال ليس دراسة عالمية، بل محاولة للبحث عن وطن نساعده على الشفاء من جروحه، فإعادة إعمار الإنسان تبدأ دائماً من المكان الذي ننتمي إليه.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

