Listen to the article
سوسن الجزراوي
في تعريف مباشر لمفهوم الأزمة بحسب علم السياسة، فإنها تعني حالة من الاضطراب المفاجئ وغير المتوقع، تمس توازن أي نظام (سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو نفسيًا)، وتتطلب اتخاذ قرارات سريعة وعاجلة لمنع تدهور الأمور نحو الأسوأ.
وعلى الرغم مما أشار إليه التعريف، فليست كل أزمة في العالم مؤامرة، كما أن كل حرب لا تبدأ بالضرورة خلف أبواب مغلقة، لكن الاعتقاد بأن الأزمات الكبرى تولد دائمًا من الصدفة، أو من سوء التفاهم وحده، يبدو تسطيحًا لا يليق بعالم تحكمه المصالح وموازين القوة وحسابات النفوذ.
فالأزمة حين تقع لا تبقى مجرد حدث سياسي أو أمني يتطلب التأني وضبط النفس، إذ إنها سرعان ما تتحول إلى مساحة مفتوحة تتقاطع فيها مصالح من يريد إشعالها، ومن يستثمر في استمرارها، ومن يمتلك القدرة على إيقافها.
السؤال الحقيقي إذن: ليس فقط لماذا تحدث الأزمات؟ بل من يغذيها؟ ومن يفتعلها؟ ومن يستطيع كبح جماحها؟ وتشير بعض المصادر الرصينة الموثوقة، إلى أن ثمة أزمات تبدأ من تناقضات داخلية، أو صراعات على السلطة، أو نزاعات حدودية، أو أزمات اقتصادية واجتماعية تراكمت حتى انفجرت مثل بركان مستعر، لكن ما يحدث بعد لحظة الانفجار هو الأكثر أهمية.
فالأزمة قد تجد من يمدها بالمال والسلاح والمعلومات، ومن يمنحها الغطاء السياسي والإعلامي أحيانًا، ومن يحولها من نزاع محدود إلى صراع طويل يستنزف أطرافه ويعيد رسم خرائط النفوذ وفقًا لقاعدة (المنتصر يأخذ كل شيء).
وهنا تحديدًا تظهر مصالح القوى الكبرى بوضوح أكبر، فالتوترات الدولية قد تصبح أدوات للضغط والتفاوض والمساومة أحيانًا، وقد تمنح بعض الدول فرصة لتوسيع حضورها السياسي أو العسكري، فيما تجد صناعات معينة في استمرار احتدام الصراعات، سوقًا لا ينضب، كما يمكن لأزمات الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد أن تخلق أرباحًا هائلة لفئات، في الوقت الذي يدفع فيه ملايين البشر ثمن ارتفاع الأسعار وفقدان الأمن والاستقرار.
وهنا تكون فكرة تحميل جهة واحدة فقط، مسؤولية كل أزمة إنما ستكون قراءة سهلة ومضللة في الوقت نفسه، لأنها حددت بوصلتها سواء كان الاتجاه صحيحًا أم خاطئًا، فالعالم أكثر تعقيدًا من ذلك، فهناك قرارات متسرعة وحسابات خاطئة واستفزازات متبادلة وأنظمة سياسية تستخدم خطاب الخوف لتثبيت نفوذها وأطراف تدخل الصراع وهي تظن أنها قادرة على التحكم بمساره، ثم تكتشف أن النار التي أشعلتها تجاوزت حدودها وأنها ستكون قادرة على حرقها قبل غيرها.
الأخطر من كل هذا وذلك، هو أن بعض الأزمات لا تحتاج أصلًا إلى من يفتعلها، بقدر ما تحتاج إلى من يغذي استمرارها. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: من يملك القدرة على إيقاف الأزمة ولا يفعل؟ فكما هو معروف أن المصاعب غالبًا ما تكون لها حلول تسيطر عليها بعض (القوى المتنفذة الكبرى)، فهي تمتلك أدوات ضغط هائلة، بدءًا من العقوبات الاقتصادية إلى الوساطات السياسية، ومن النفوذ الدبلوماسي إلى القدرة على التأثير في المؤسسات الدولية، كما أن الدول الإقليمية تستطيع أحيانًا أن تلعب دور الوسيط أو أن تستخدم علاقاتها لفتح أبواب الحوار، لكن هذه الأدوات لا تُستخدم دائمًا بالسرعة أو الحياد اللذين تتطلبهما الكوارث الإنسانية، لأن السياسة في كثير من الأحيان لا تتحرك وفق معيار الأخلاق وحدها، بل وفق حسابات المصالح.
من هنا…
المشكلة الأهم، أن العالم ما زال يتعامل مع كثير من الأزمات بعد انفجارها، بدل أن يستثمر بما يكفي في منع أسبابها، على الرغم من إدراكه الكبير أنها ستحدث، متناسيًا أن الوقاية أقل كلفة من الحرب، والحوار أقل ثمنًا من إعادة الإعمار، ومعالجة جذور النزاع أكثر استدامة من إدارة أعراضه. لذلك ربما آن الأوان لأن نغيّر السؤال من: من انتصر في الأزمة؟ إلى من استفاد من استمرارها؟
في السياسة الدولية لا يكون المستفيد دائمًا هو من بدأ الأزمة، ولا يكون الخاسر هو من خسر المعركة، فهناك من يخسر وطنًا ومن يخسر اقتصادًا، ومن يخسر أمنه ومستقبله، بينما يخرج آخرون من الفوضى بمكاسب ونفوذ وأسواق جديدة. لذلك كله، فالأزمات ليست قدرًا محتومًا، كما أنها أيضًا ليست دائمًا صدفة! وبين من يصنع الشرارة ومن يمدها بالوقود ومن يقف قادرًا على إطفائها، تتشكل صورة عالم يبدو أحيانًا وكأنه يعيش على حافة أزمة جديدة. وربما تكون أخطر حقيقة في هذا المشهد، أن النار لا تحتاج دائمًا إلى من يشعلها، بل يكفي أحيانًا أن تجد من يربح من بقائها مشتعلة.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

