Listen to the article
مفهوم التربية الحوارية: تحليل نظرية جديدة لروبرت ويغريف
يمكن قراءة مفهوم التربية الحوارية من خلال ثلاثة مستويات مترابطة، وعبر تحليل كتاب "إعادة التفكير في النظرية التربوية" لأستاذ التعليم روبرت ويغريف في جامعة كامبردج البريطانية. يعيد ويغريف تعريف "التربية الحوارية" بشكل أعمق بكثير من التعريفات الشائعة – التي تختزلها في مفهوم "المناقشة الصفية" أو "التعلم التعاوني".
فالحوار عنده ليس مجرد أسلوب تدريس، بل هو رؤية أنطولوجية لماهية التعلم، ورؤية إبستمولوجية لكيفية تشكيل المعرفة، ورؤية تربوية لكيفية تصميم التعليم.
يتصور معظم المعلمين أن التربية الحوارية هي طرح أسئلة أو إجراء مناقشات أو العمل في مجموعات وإعطاء المتعلم فرصة للكلام، لكن ما يراه ويغريف أن هذا ليس جوهر التربية الحوارية، لأن الصف الدراسي قد يكون مليئاً بالحديث، ومع ذلك لا يحدث فيه حوار حقيقي.
وبناءً على ذلك، يمكن ترجمة هذا المفهوم النظري إلى تطبيق عملي، باعتبار أن التربية الحوارية تعني أن المعلم لا يبدأ بتقديم إجابة، بل يبدأ بخلق شروط التفكير، لذا فإن وظيفة المعلم الحقيقية ليست شرح المعرفة، بل تصميم الموقف الحواري وإدارة الاختلاف وتوسيع الأسئلة وتشجيع الإصغاء وبناء الثقة، فالمعلم هنا لا يسيطر على الحوار، بل يحميه ويوجهه.
أعتقد أن رؤية ويغريف هذه تفتح باباً جديداً حول العلاقة بين التربية الحوارية والذكاء الاصطناعي، ولو طبقنا نظريته حرفياً في عصر الذكاء الاصطناعي سيكون السؤال: "كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يوسع الفضاء الحواري دون أن يغلقه بإجابات جاهزة؟".
وفي الختام، ومن منطلق القيمة الحقيقية للحوار، ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات، بل هي في تغيير نوعية العلاقة بين الإنسان والمعرفة؛ فبدلاً من أن يكون مستهلكاً لها، يكون مشاركاً في بنائها وتطويرها. لذا، فالتربية الحوارية هي تربية تجعل التعلم عملية مستمرة لتوسيع أفق الوعي من خلال الحوار المنفتح مع الآخرين، ليصبح المتعلم قادراً على إعادة تشكيل فهمه وإدراكه للعالم ولذاته، والمساهمة في بناء معرفة جديدة بصورة أخلاقية ونقدية.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

