Listen to the article
عبدالزهرة محمد الهنداوي
لا تُقاس المئة يوم الأولى من عمر أي حكومة بعدد القرارات والمشروعات التي أُعلنت، وإنما بقدرتها على تحديد الاتجاه ووضع الأسس التي يمكن البناء عليها. ومن هذه الزاوية، تبدو المرحلة الأولى من عمر الحكومة الحالية محاولة لإعادة ترتيب أولويات الدولة، في ظرف وطني وإقليمي ودولي شديد التعقيد.
في مقدمة هذه الأولويات يأتي تعزيز سلطة الدولة وحماية السيادة، عبر تنظيم السلاح وحصره بيد المؤسسات الرسمية، وقد تحقق تقدم مهم في هذا المسار بما يمثل خطوة عملية على طريق ترسيخ مبدأ الدولة والقانون، غير أن أهمية هذا الملف تكمن في استكماله وتحويله إلى قاعدة وطنية مستقرة لا تتأثر بالظروف السياسية، في وقت بات الجميع يدرك ضرورة بل وجوب الانخراط في عملية البناء التنموي، بعد ان اشترك الجميع في ارساء دعائم الامن والاستقرار في البلد.
ويتصل بذلك تعزيز القدرات الأمنية والدفاعية، بعد الاتفاق على إنهاء مهمة التحالف الدولي، بما يفتح مرحلة جديدة تعتمد بصورة أكبر على القدرات الوطنية في حماية العراق، وقدرات البلد الامنية كبيرة من حيث الموارد البشرية، الا انها بحاجة الى تفعيل من خلال رفدها باحدث التقنيات، فزمن الكلاشنكوف قد ولى، لتحل محلها الاسلحة الليزرية والصواريخ الفرط صوتية الموجهة عن بعد.
وفي مكافحة الفساد، يبرز الانتقال من المعالجة اللاحقة إلى الوقاية الاولية، من خلال التدقيق القبلي في العقود والمشروعات ومراجعة الإنفاق والعقود السابقة، ومطاردة الفاسدين، وهذه المقاربة يمكن أن تسهم في تقليل الهدر ومنع تضخم الكلف، إذا اقترنت برقابة حقيقية وشفافية ومساءلة لا تستثني أحداً.
أما الإصلاح الاقتصادي، فيمثل التحدي الأطول والأكثر تأثيراً في مستقبل العراق. فترشيد الإنفاق، وتعظيم عوائد مؤسسات الدولة، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتقليل الاعتماد على النفط، إلى جانب إنشاء أدوات للاستقرار المالي والنقدي، تمثل حلقات مترابطة في مسار الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجاً، وثمة مسارات من شأن السير فيها ان يوفر موارد ضخمة للدولة، ففي حركة واحدة بسيطة تمكنت الحكومة من تحقيق عائدات مالية سنوية تصل الى نحو 18 ترليون دينار، كانت تذهب الى الجيوب الخاصة.
ويمثل طريق التنمية محاولة لتحويل الموقع الجغرافي للعراق إلى مورد اقتصادي استراتيجي، عبر تطوير النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة والتجارة، وخلق فرص عمل جديدة، في ظل التوجه لانشاء اول مدينة للطاقة في العراق.
وعلى المستوى الاجتماعي، يأتي مشروع المليون قطعة أرض سكنية مخدومة بوصفه محاولة لمعالجة جانب أساسي من أزمة السكن، إلا أن نجاحه يتطلب تجاوز توزيع الأراضي إلى توفير البنية التحتية والخدمات التي تجعل من هذه المشاريع بيئات سكنية متكاملة.
وفي السياسة الخارجية، يتجه العراق نحو بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والانفتاح، مع جميع البلدان وتبقى القيمة الحقيقية لهذه العلاقات في قدرتها على إنتاج استثمارات واتفاقات اقتصادية ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق.
إن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من تثبيت الأسس إلى تحقيق النتائج، فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة ما تم اتخاذه من قرارات، وهو غير معني كم من براميل النفط نصدر يوميا، وربما لايعنيه اغلاق مضيق هرمز ، وسواء عبرت السفن من خلاله ام لم تعبر!، وإنما يريد أن يرى أثرا في الأمن والخدمات والعمل والسكن ومستوى المعيشة.
وبذلك تصبح المئة يوم الأولى، بداية لمسار أوسع، دولة أكثر قوة في مؤسساتها، وأكثر أمناً في بيئتها، وأكثر تنوعاً في اقتصادها، وأكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

