Listen to the article
ملف حصر السلاح في العراق: تحول إلى مشروع وطني
لم يعد ملف حصر السلاح بيد الدولة مجرد قضية أمنية، حيث أصبح مشروعًا وطنيًا يتداخل فيه الأمن القومي، وبناء الدولة، والإصلاح المؤسسي، والاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية. وباقتراب موعد 30 أيلول 2026، الذي حددته القوى المنضوية في ائتلاف إدارة الدولة كمحطة فاصلة لاستكمال إجراءات حصر السلاح، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وقدرة الدولة على تحويل هذا الاستحقاق إلى نقطة انطلاق نحو ترسيخ سيادتها وتعزيز مؤسساتها.
مرت الدولة خلال العقدين الماضيين بظروف استثنائية تفرضها الحروب والإرهاب والتحديات الأمنية، ما خلق واقعًا معقدًا يتضمن مراكز متعددة للقوة، ردًا على تلك الظروف التي استدعت تعبئة وطنية واسعة لمواجهة التهديدات الوجودية. ومع تحول الأولويات من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، بدأ الاهتمام ينصب تدريجيًا نحو ترسيخ الدولة الدستورية.
يعتبر ملف حصر السلاح جزءًا من عملية إعادة هندسة الأمن الوطني، حيث يهدف إلى توحيد أدوات القوة ضمن إطار مؤسسات الدولة، لتحقيق الانسجام بين السلطات الدستورية والأجهزة الأمنية والعسكرية، وتعزيز وحدة القرار الأمني، ومنع تضارب الصلاحيات أو ازدواجية مراكز القوة.
تقوم هذه الخطوة على مبدأ دستوري مهم ينص على أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح واستخدامه وفق القانون، ما يعد أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة. ويؤكد علماء السياسة أن احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة يعتبر شرطًا أساسيًا لوجودها واستمرارها، لتقوية قدرة المؤسسات على فرض القانون ويعزز هيبة الدولة.
إن الانتقال من مرحلة الحوار حول حصر السلاح إلى تحديد سقف زمني للتنفيذ يعكس وجود إرادة سياسية لتحويل هذا الملف إلى إطار سياسي ملزم. ويشير تطبيق قانون مكافحة الإرهاب على أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة بعد انتهاء المهلة إلى انتقال من مرحلة المعالجة السياسية إلى مرحلة إنفاذ القانون.
تتطلب نجاح هذه المرحلة قدرة الدولة على إدارة عملية التحول بطريقة متوازنة، حيث يشير الخبراء إلى أهمية تحديث المؤسسات الأمنية، وتعزيز الاحترافية، وبناء الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، ورفع كفاءة التنسيق بين المؤسسات.
على المستوى الاستراتيجي، يمنح توحيد القرار الأمني الدولة قدرة أكبر على التعامل مع التحديات المستقبلية، سواء كانت تهديدات إرهابية أو جرائم منظمة أو هجمات سيبرانية أو أزمات حدودية. فالتحديات الأمنية الحديثة تتطلب منظومة أمنية موحدة تمتلك سرعة اتخاذ القرار وتكامل المعلومات والقدرة على التنسيق بين المؤسسات.
من المتوقع أن تكون المرحلة التي تلي 30 أيلول 2026 أكثر حساسية، حيث ستختبر قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق القانون بعدالة وشفافية، مع المحافظة على الاستقرار المجتمعي وتجنب أي تداعيات قد تؤثر في السلم الأهلي. وهنا تبرز أهمية أن تكون جميع الإجراءات مبنية على الدستور والقوانين النافذة، وأن تنفذ وفق معايير موحدة تشمل الجميع دون استثناء.
بناء الدولة لا يتم في لحظة ولا ينتهي بموعد زمني محدد، بل يتطلب عملية تراكمية تتضمن إرادة سياسية، ومؤسسات كفوءة، وثقافة قانونية، ودعما مجتمعيا. وقد يشكل ما بعد 30 أيلول 2026 بداية لمرحلة جديدة في هذا المسار، إذا نجحت الدولة في الجمع بين الحزم القانوني والحكمة السياسية والإدارة المؤسسية الرشيدة.
في النهاية، يعتبر حصر السلاح بيد الدولة وسيلة لبناء دولة أكثر استقرارًا، ومؤسسات أكثر قوة، واقتصاد أكثر جاذبية، ومجتمع أكثر أمنًا. وعندما تكون جميع أدوات القوة خاضعة للدستور والقانون، يكون العراق قد خطى خطوة مهمة نحو ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز أمنه القومي، وتوفير البيئة اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ مكانته الإقليمية والدولية.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

