Listen to the article
متحدث القائد العام للقوات المسلحة
تقتضي الممارسة الاتصالية الرصينة في أوقات التحولات المعقدة التوقف الفلسفي والاستراتيجي عند حدود المسؤولية والوظيفة المنوطة بالخطاب الرسمي، تفكيكاً لخلطٍ مفاهيمي تتسع رقعته في الأوساط الصحفية والمحافل التحليلية كلما تصاعدت الأزمات، إذ يُصار غالباً إلى تحميل “الناطق” تبعات الأحداث ومآلات القرارات التي يتلقفها الرأي العام.
ولا علم لهم بأن الوظيفة الاتصالية في جوهرها العلمي، سواء تمثلت بالناطق المؤسسي المدني بصورة عامة أو بالناطق العسكري والأمني بصورة خاصة، لا تعني صناعة الحدث أو امتلاك القرار الميداني والسياسي، بل تتجسد في كونه اللسان المخوّل، والجسر الحصري الممتد بين كواليس صنع القرار وبين الوعي الجمعي للشارع، منعاً للفوضى وانقطاع الحقيقة.
يتجلى هذا الدور في الفضاء المدني والحكومي العام، بوصفه أداة ترسيخ للشفافية وتأطيراً لسياسات الدولة، فالناطق المؤسسي يحوّل التعقيدات الإدارية والقرارات التخصصية إلى خطاب ملموس يضمن حق المجتمع في معرفة المسار التنموي والخدمي دون اجتهاد أو تأويل.
غير أن هذه الوظيفة تأخذ مساراً أكثر تعقيداً وحساسية عندما تنتقل إلى المضمار الأمني والعسكري، هنا تتحول الكلمة من معلومة إخبارية إلى جزء أصيل من إدارة المعركة ومقتضيات الردع الاستراتيجي.
إن الناطق الأمني يمارس عمله فوق أرض خصبة بالألغام، تقتضي الموازنة الدقيقة بين حق الشارع في الاطلاع وبين واجب صيانة أسرار حيوية يترتب على كشفها استهدافا مباشراً لأرواح التشكيلات المرابطة على السواتر وحماية قواعد العمليات.
إن قراءة واقع الخطاب الإعلامي يؤكد التحدي الأكبر الذي يواجه المنبر الأمني، وينحصر في التصدي للاستسهال التحليلي والشائعات العابرة التي تحاول اقتطاع التطورات من سياقها الميداني.
فالناطق العسكري لا يعبر عن انطباعات شخصية أو تكهنات صحفية تحت ضغط السبق الإعلامي، إنما ينطلق من تقارير الاستطلاع والموقف الفني الموثق الصادر عن القيادة العامة والقواعد الاستخبارية.
تقتضي المسؤولية الوطنية تمكين هذا اللسان الرسمي واحترام حدوده بوصفه الناقل الأمين لا الصانع للحدث، فمتانة الجبهة الداخلية تبدأ من ثقة الشارع بمنصة رسمية حارسة للحقيقة، تنقل الواقع بثبات ودقة تجرده من التهويل والتضليل.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

