Listen to the article
في مشهد يعكس تحولًا جذريًا من الأطر البروتوكولية إلى المسارات التنفيذية، اختتمت في دمشق أعمال اليوم الثاني والأخير من المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول، الذي استضافه “قصر الشعب” برعاية وحضور الرئيس السوري أحمد الشرع.
وجاء هذا الختام إعلانًا عمليًا عن ولادة “خارطة طريق” اقتصادية جديدة، تُوجت بحزمة مشاريع استراتيجية بمليارات الدولارات، وتقودها كبرى الشركات الإماراتية في قطاعات العقارات والسياحة والتكنولوجيا، لتؤسس لمرحلة من التكامل التنموي تستهدف استثمار المقومات السورية والخبرات الإماراتية في بناء نماذج اقتصادية مستدامة تخدم تطلعات البلدين الشقيقين.
تصدرت المشهد الاستثماري الأرقام الضخمة التي كشف عنها مؤسس شركة “إعمار” العقارية، محمد العبار، خلال الندوة الحوارية التي أدارتها الإعلامية لبنى بوظة، حيث أعلن عن حزمة مشاريع قيد الدراسة تتجاوز قيمتها 19 مليار دولار، منها 12 ملياراً مخصصة للعاصمة دمشق و7 مليارات للساحل السوري.
وتشكل رؤية “المدن الذكية” حجر الزاوية في هذه المشاريع، حيث تتجاوز الطروحات مفهوم الإعمار التقليدي نحو بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تعتمد على حلول الطاقة المستدامة والأنظمة الرقمية المتقدمة، ونقل تجربة “المدن النموذجية” عبر دمج تقنيات إدارة المرافق الذكية والحوكمة الرقمية، بما يواكب أحدث المعايير العالمية.
ولم تقتصر هذه الأرقام على البعد العقاري، بل شملت رؤية سياحية طموحة تهدف لاستقطاب 8 ملايين سائح خلال 5 سنوات، وهو ما قد يولد إيرادات سنوية تلامس 7 مليارات دولار ويوفر نحو 400 ألف فرصة عمل، في مؤشر واضح على أن السياحة السورية باتت تُطرح كـ “مشروع إنقاذ اقتصادي شامل”.
من جانبه، استعرض رئيس وفد دولة الإمارات المشارك في المنتدى الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، مؤشرات النمو القياسية التي حققها التبادل التجاري غير النفطي، والذي وصل إلى 1.4 مليار دولار عام 2025 بنمو تجاوز 130 بالمئة، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا).
وأوضح الزيودي أن هذه الأرقام تعكس التزامًا برؤية مشتركة لاستثمار الموقع الجغرافي للبلدين، مشددًا على أهمية دعم مشاريع البنية التحتية والمناطق الصناعية، بما يضمن ربط سوريا بكفاءة مع الأسواق الإقليمية والعالمية عبر سلاسل توريد حديثة ومنظمة.
وفي سياق متصل، شدد وزير الاقتصاد والصناعة السوري، الدكتور نضال الشعار، على أن الشراكة مع الجانب الإماراتي انتقلت إلى “المسار العملي”، عبر تفعيل مجلس الأعمال المشترك والاتفاق على وفد سوري سيزور الإمارات قريبًا لوضع اللمسات النهائية على “خارطة الطريق”.
وبرز في هذا السياق الدور المحوري لهيئة الاستثمار السورية، حيث أكد رئيسها طلال الهلالي أن قانون الاستثمار الجديد (2025) يقدم حوافز غير مسبوقة، تشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى 100 بالمئة في قطاعات معينة، مع اعتماد نظام “النافذة الواحدة” و”مركز التحكيم الدولي المستقل” لضمان أعلى معايير الشفافية وحماية حقوق المستثمرين العرب والأجانب.
وفي إطار الخطط التنفيذية، برز قطاع النقل والخدمات اللوجستية كأحد الركائز الأساسية للتعاون، حيث شملت التفاهمات تطوير الموانئ السورية والخدمات المرتبطة بها، إضافة إلى بحث فرص الاستثمار في الموانئ الجافة وتطوير المناطق الصناعية واللوجستية المحيطة بها. وتهدف هذه الخطوات إلى تعزيز دور سوريا كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير، بالاستفادة من التجربة الإماراتية الرائدة في إدارة المرافق اللوجستية العالمية.
ولم يغب قطاع الصناعة عن طاولة الحوار، حيث أشار رئيس اتحاد غرف الصناعة، الدكتور مازن ديروان، إلى عودة النشاط الصناعي بآلاف الرخص الجديدة، مدعومًا بإصلاحات ضريبية وجمركية جذابة.
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، يقول الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي “يمثل المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول تحولًا استراتيجيًا من “الدعم الاقتصادي” إلى “التمكين التنموي”. فالإمارات لا تقدم رؤوس أموال فحسب، بل تصدر “النموذج الإماراتي” في الإدارة والحوكمة”.
ويرى القمزي أن “القيمة المضافة الحقيقية تكمن في نقل ‘الدنا المؤسسي’ للإمارات، فسوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى أسمنت وحديد، بل إلى أنظمة ذكية في إدارة الموانئ والمناطق الحرة، وهو ما تبرع فيه شركاتنا الوطنية. التعافي السوري سيتحول من مسار بطيء إلى مسار سريع بمجرد تطبيق معايير الكفاءة والرقمنة الإماراتية في المشاريع الحيوية”.
وردًا على سؤال فيما إذا كان المنتدى الإماراتي – السوري يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي الثنائي، أجاب القمزي: “المؤشرات الحالية تؤكد أننا بصدد صياغة (عقد اقتصادي جديد) يتجاوز البروتوكولات التقليدية. حضور عمالقة العقار مثل “إعمار” و”إيجل هيلز” يعني أن الثقة بدأت تعود لشرايين الاقتصاد السوري عبر البوابة الإماراتية، مما يمهد لربط دمشق مجددًا بسلاسل التوريد العربية”.
هذا المنتدى ليس مجرد لقاء عابر، بل هو عملية ‘إعادة ضبط’ للعلاقات التجارية في المشرق العربي. من وجهة نظرنا، التكامل هنا يقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة، فالإمارات تبحث عن أسواق بكر ذات ميزة تنافسية في الموقع والموارد، وسوريا تبحث عن شريك موثوق يمتلك الملاءة المالية والقبول الدولي. الامارات لا تبني مشاريع فقط ، بل جسور تربط الخليج بشرق المتوسط، بحسب تعبيره.
ويشرح القمزي أن هذا التعاون يتميز بالشمولية، حيث ينتقل من القطاعات التقليدية كالعقار إلى قطاعات إنتاجية كالزراعة والاتصالات والطاقة البديلة. هذا التنوع يضمن صمود الاقتصاد السوري أمام الهزات المستقبلية ويحقق له الاكتفاء الذاتي في مراحل لاحقة.
وأوضح أن المستثمر الإماراتي ينظر إلى ‘الأمن الغذائي’ و’أمن الطاقة’ كأولويات قصوى. الاستثمار في الزراعة السورية يمثل عمقًا استراتيجيًا، وتطوير قطاع الاتصالات هناك يفتح الباب أمام الاقتصاد الرقمي. الامارات تنظر إلى سوريا كمنصة لوجستية مستقبلية، وتطوير الموانئ السورية بخبرات موانئ دبي أو أبوظبي سيجعل من سوريا رقمًا صعبًا في خارطة التجارة الإقليمية.
وأكد الخبير الاقتصادي القمزي أن المنتدى يتجاوز لغة الأرقام ليصل إلى لغة “الرسائل السياسية والاقتصادية”، فإنعقاده في دمشق شهادة ثقة لبيئة الاستثمار السورية. الحديث عن استثمارات بمليارات الدولارات يعطي ضوءًا أخضر لبقية المستثمرين العرب والأجانب بأن سوريا “مفتوحة للأعمال”. الآفاق واعدة ولكنها تتطلب استمرارية في تحديث التشريعات السورية لتتواكب مع سرعة الاستثمار الإماراتي.
واختتم القمزي بقوله: “نحن متفائلون جدًا، فالإمارات تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وما نراه اليوم في دمشق وضع حجر الأساس لمرحلة ‘النهضة السورية الثانية’ بلمسات إماراتية. الـ 7 مليارات دولار المتوقعة هي مجرد غيض من فيض لما يمكن أن تحققه هذه الشراكة إذا ما استمر الزخم الحالي”.
بدوره، أكد الباحث الاقتصادي المختص بالشأن السوري، عصام تيزيني، في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن رعاية وحضور الرئيس أحمد الشرع لهذا المؤتمر يمثل رسالة بليغة تكرس مرحلة جديدة من التعاون والتآخي بين سوريا والإمارات، مشيرًا إلى أن هذا الحضور الرسمي سيكون له انعكاسات اقتصادية ملموسة على مستوى الاقتصاد السوري الكلي.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

