Listen to the article
عرض العراق في قمة الدوحة الطارئة نهجًا مختلفًا عن المواقف التقليدية، حيث سعى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى تقديم بلاده كلاعب إقليمي مؤثر يمتلك رؤية استراتيجية لمعالجة الأزمات الحالية في المنطقة، وليس مجرد دولة تكتفي بالإدانات والمواقف التقليدية.
بدا واضحًا في كلمة السوداني خلال قمة الدوحة الطارئة، التي عُقدت على خلفية الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قيادات حركة حماس، أن العراق يسعى إلى لعب دور مختلف على الساحة الإقليمية. فبدلاً من الاكتفاء بالتنديد والإدانة، طرح السوداني رؤية شاملة تتضمن مقترحات عملية لمواجهة الأزمات المتعددة في المنطقة.
تمحورت مقترحات السوداني حول عدة نقاط محورية، أبرزها تشكيل تحالف إسلامي واسع، وإنشاء مجموعة اتصال عربية-إسلامية، ووضع خريطة طريق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وصولاً إلى برنامج متكامل لإعادة الإعمار تحت إشراف أممي-عربي مشترك.
يأتي هذا التوجه العراقي الجديد من رؤية استراتيجية لدى السوداني تهدف إلى إعادة تموضع العراق على الخريطة الإقليمية كدولة فاعلة ومؤثرة، وليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. يعتمد هذا التوجه على عدة مقومات موضوعية يتمتع بها العراق، أهمها موقعه الجغرافي الاستراتيجي المحاذي لمعظم بؤر التوتر في المنطقة، وثرواته النفطية الهائلة التي تشكل عاملاً اقتصاديًا مهمًا على المستوى الدولي، بالإضافة إلى علاقاته المتوازنة مع مختلف المحاور والقوى المتناقضة.
من اللافت في خطاب السوداني تأكيده على مفهوم “الأمن الجماعي” غير القابل للتجزئة، وهي رسالة ذات دلالة عميقة من دولة عانت لعقود من التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. تحمل هذه الرؤية في طياتها فهمًا عميقًا بأن استقرار أي دولة عربية أو إسلامية هو جزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي الشامل، وبالتالي من الأمن العراقي نفسه.
تأتي هذه المبادرة العراقية في سياق إقليمي معقد، تتراجع فيه الولايات المتحدة تدريجيًا عن أدوارها التقليدية في المنطقة، وتسعى إيران لتخفيف الضغوط المفروضة عليها، بينما تحاول دول الخليج الموازنة في علاقاتها بين واشنطن وبكين وموسكو. وفي خضم هذا المشهد المرتبك، تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة مجددًا من خلال الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة.
يسعى السوداني، الذي بنى سياسته الداخلية على نهج “التوازن” بين القوى المتصارعة، إلى ترجمة هذا النهج إلى سياسة خارجية تضع العراق في موقع الوسيط القادر على التواصل مع مختلف الأطراف. هذا النهج قد يمنح العراق فرصة للعب دور إقليمي جديد، خصوصًا إذا نجح في إثبات قدرته على تقديم حلول عملية للأزمات المتلاحقة.
ومع ذلك، تظل التحديات العملية أمام هذه الرؤية كبيرة. فالدعوة إلى تحالف إسلامي واسع قد تبدو للكثيرين أقرب إلى الطموحات منها إلى المشاريع القابلة للتنفيذ في ظل الانقسامات العميقة التي تعاني منها المنطقة. لكن مجرد طرح هذه الرؤية من بغداد، بعد سنوات طويلة من الانكفاء على الأزمات الداخلية، يشكل تطورًا لافتًا يستحق المتابعة.
يدرك السوداني أن سياسة التوازن ليست غاية في حد ذاتها، بل هي استراتيجية ضرورية للبقاء في بيئة إقليمية مضطربة. وإذا نجح في تحويل هذه الاستراتيجية إلى منصة للمبادرة والفعل، فقد نشهد فصلاً جديدًا في السياسة العراقية يستعيد من خلاله العراق جزءًا من مكانته العربية والإسلامية التي فقدها منذ عقود.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

