Listen to the article
في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع العراقي، أصبحت قضايا الأحوال الشخصية محور صراع قضائي ومجتمعي، مع بروز تدخلات خارجية تهدد استقلالية القضاء وتحاول فرض تفسيرات قانونية لا تتماشى مع روح العدالة التي تستلزمها خصوصية الأسرة في النسيج الاجتماعي العراقي.
شهدت محاكم الأحوال الشخصية في العراق خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد النزاعات الأسرية المعروضة عليها، وذلك نتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي تواجه الأسرة العراقية. ورغم هذه التحديات، استطاعت هذه المحاكم، بدعم من محكمة التمييز الاتحادية، أن تتصدى لهذه النزاعات بكفاءة عالية، مرسخة من خلال قراراتها التمييزية مبادئ اجتهادية حافظت على كيان الأسرة ومنعت تفككها.
لكن هذا المجال القضائي الحساس أصبح عرضة لتدخلات خارجية متعددة المصادر، بدأت بالإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي حولت قضايا الأحوال الشخصية إلى مادة إعلامية يتم تداولها بشكل مبتذل وبدون فهم عميق لخصوصيتها القانونية والاجتماعية.
وأصبحت مصطلحات مثل “الطلاق” و”الحضانة” و”النفقة” و”التفريق” تتردد في فضاءات إعلامية مفتوحة، تروج لشعارات براقة حول حقوق المرأة والطفل، دون استناد إلى أسس قانونية أو فقهية رصينة، مما خلق نوعاً من الفوضى المعلوماتية حول هذه القضايا الحساسة.
ورغم أن هذه الفوضى الإعلامية لم تنجح في التأثير على القضاة المختصين، الذين واصلوا تطبيق القانون وفق ضمائرهم المهنية واستقلالهم القضائي، فإن الخطر الأكبر جاء من جهة أخرى – المحكمة الاتحادية نفسها خلال فترة رئاسة جاسم العميري لها.
فقد شهد العام 2022 واقعة قضائية بارزة، حيث نظرت المحكمة الاتحادية في الدعوى المرقمة (33/اتحادية/2022) التي أقامها المدعي (م. ح. ع.) للطعن بعدم دستورية القرار رقم 1000 لسنة 1983، والمتعلق بجواز زيادة نفقة الأولاد والمطلقة في عدتها تبعاً لتغير الأحوال.
وعلى الرغم من أن المحكمة ردت الدعوى في قرارها المؤرخ 19/4/2023، معتبرة القرار المطعون به متوافقاً مع أحكام الدستور، إلا أنها تجاوزت حدود اختصاصها بتضمين قرارها تفسيراً إلزامياً لمضمون القرار 1000، حيث قررت أن “المقصود بالنفقة في القرار تشمل الزيادة والنقصان معاً”، واعتبرت تفسيرها هذا ملزماً لجميع السلطات.
هذا التدخل شكل مخالفة صريحة للمادة (93/ثانياً) من الدستور العراقي، التي حصرت اختصاص المحكمة الاتحادية بتفسير النصوص الدستورية فقط، دون أي نص قانوني أدنى مرتبة. وحتى لو كان للمحكمة أن تفسر نصاً قانونياً أثناء نظرها دعوى للطعن به، فإن هذا التفسير لا يعد ملزماً لأي محكمة أخرى بعد أن قررت دستورية النص.
ويرى مراقبون قانونيون أن ما قامت به المحكمة الاتحادية يعكس انجرافاً وراء خطاب شعبوي متأثر ببعض منظمات المجتمع المدني، وانحيازاً لأجندات لا ترتبط بالضرورة بحماية الأسرة، بل تهدف إلى إعادة تشكيل مفاهيم أسرية تحت غطاء العدالة الأسرية بما قد يخالف الشرع والدستور معاً.
وفي مواجهة هذا الخرق لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، تصدت محكمة التمييز الاتحادية للموضوع بشجاعة وحزم، وصححت المسار القضائي عبر قرارها المرقم (14/الهيئة العامة/2022) الصادر بتاريخ 31/8/2022، الذي أكد على مبدأ أن تفسير القاضي لنص القانون هو من صميم وظيفته القضائية، ولا سلطان عليه في ذلك حتى من المحكمة الاتحادية ذاتها، طالما أنها ردت الدعوى ولم تقض بعدم الدستورية.
لقد أعاد هذا القرار التوازن للمشهد القضائي في مجال الأحوال الشخصية، وأكد على استقلالية القضاء في هذا المجال الحساس، ووضع حداً لمحاولات تسييس النزاعات الأسرية تحت غطاء التفسير الدستوري، تلك المحاولات التي كان هدفها الضغط على القاضي وتجريده من سلطته التقديرية التي تمثل جوهر العدالة في قضايا الأسرة.
وتؤكد هذه التطورات ضرورة الحفاظ على خصوصية قضايا الأحوال الشخصية، وأهمية قراءة النصوص القانونية في هذا المجال بروح العدالة، لا بحرفية الزجر والردع، مع احترام استقلالية القضاة المختصين في تقدير الوقائع وتطبيق القانون وفق مقتضيات كل حالة على حدة.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

