Listen to the article
تُعد الطائفية في العراق صناعة تاريخية وليست إرثًا أصيلًا. فالانقسامات الطائفية التي تطبع المشهد العراقي اليوم هي نتاج للتلاعب الإمبريالي والتدخلات الخارجية، وليست متجذرة في النسيج الاجتماعي للبلاد كما يشاع في الروايات التبسيطية.
كانت الهوية الطائفية في العراق حتى بدايات العصر الحديث مسألة اعتقاد شخصي أكثر من كونها محددًا للانتماء السياسي. فالحياة الاجتماعية كانت تتشكل بدرجة أكبر عبر الانتماءات القبلية والعائلية والمحلية، وليس وفق التصنيف بين سنة وشيعة. وقد شهدت المراكز الحضرية مثل بغداد والنجف والكوفة تعايشًا ثقافيًا ودينيًا لافتًا، إذ سكنها مزيج متنوع من العرب والأكراد والفرس، إلى جانب اليهود والمسيحيين والمسلمين من مختلف المذاهب.
ورغم وجود اختلافات عقائدية، إلا أنها لم تتحول إلى خطوط فاصلة في المشهد السياسي. فلم يكن مفهوم “الطائفية” بمعنى تقسيم المجتمع والسياسة على أسس دينية جزءًا من طبيعة الحكم أو التراتبية الاجتماعية في العراق ما قبل الحداثة.
شكّل ظهور الإمبراطورية الصفوية في القرن السادس عشر نقطة تحول جذرية. فعندما أعلن الشاه إسماعيل الأول المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة عام 1508، بدأ حملة قسرية لفرضه في العراق. وللمرة الأولى، تحولت الهوية الطائفية إلى أداة للحكم، مع فرض اعتناق المذهب بالقوة وملاحقة رجال الدين السنة.
وردًا على هذا التهديد الديني والجيوسياسي، استولت الإمبراطورية العثمانية على بغداد عام 1534 وأعادت فرض المذهب الحنفي السني. وعمد العثمانيون إلى إقصاء الشيعة من المناصب العسكرية والقضائية والمؤسسات التعليمية، مما أسس لتهميش ممنهج للمكون الشيعي في العراق.
وفي القرن التاسع عشر، برز دور جديد للمرجعية الشيعية في الحياة العامة. فعندما منحت سلالة القاجار الإيرانية بريطانيا احتكارًا على صناعة التبغ عام 1891، أصدر آية الله العظمى ميرزا الشيرازي المقيم في العراق فتوى حرّم فيها استخدام التبغ، مما أشعل احتجاجات شعبية أجبرت ملك القاجار على إلغاء الاتفاقية. كانت تلك لحظة فاصلة تحولت فيها المرجعية من مؤسسة دينية محضة إلى قوة سياسية مؤثرة قادرة على مقاومة المخططات الاستعمارية.
مثّل انهيار الإمبراطورية العثمانية وبدء الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 منعطفًا حاسمًا آخر. فقد اختار البريطانيون حكم العراق من خلال نخبة سنية محدودة، مما عمق تهميش الأغلبية الشيعية التي كانت قد حُرمت من فرص التعليم والترقي العسكري تحت الحكم العثماني.
وعلى الرغم من أن بريطانيا لم تُضفِ طابعًا رسميًا على الطائفية في القانون العراقي كما فعلت في لبنان، إلا أن سياساتها الاستعمارية رسّخت عمليًا هيمنة المكون السني على مؤسسات الدولة، وكرست إقصاء الشيعة. كانت تلك استراتيجية استعمارية تقليدية قائمة على مبدأ “فرق تسد”.
أدرك الملك فيصل الأول، الذي نصبته بريطانيا، مخاطر هذا التشرذم الطائفي، وحاول دمج الأصوات الشيعية في الدولة الناشئة. وعملت شخصيات مثل رستم حيدر، المفكر الشيعي البارز والمستشار المقرب من الملك، على رأب الصدع الطائفي. لكن هذه الجهود قوّضتها السياسات البريطانية ومقاومة النخب السنية المتجذرة. وقد مثل اغتيال حيدر عام 1940 نهاية مبكرة لمشروع سياسي عراقي موحد.
يكشف السجل التاريخي بوضوح أن الطائفية في العراق لم تكن تطورًا طبيعيًا، بل كانت مُصممة بعناية. فقد استغلت القوى المختلفة – الصفويون والعثمانيون والقاجاريون والبريطانيون – الهوية الدينية لخدمة أجنداتها الإمبريالية، محوّلةً العراقيين إلى أدوات في صراعات إقليمية أوسع.
ولا تزال آثار هذه السياسات تلاحق العراق حتى اليوم. فقد زرعت جذورًا عميقة من انعدام الثقة، ومأسست عدم المساواة، وشقت الوعي الوطني. كما رسخت فكرة أن الهوية يجب أن تكون سياسية، وأن السياسة يجب أن تأخذ طابعًا طائفيًا.
لا شك أن القوى المستفيدة من هذا التشرذم المنهجي – سواء كانت إقليمية أم محلية – ما زالت فاعلة. غير أن تاريخ العراق يقدم أيضًا نموذجًا للتجديد. فقد كان هذا البلد في يوم من الأيام مجتمعًا لم تكن فيه الهوية الطائفية محركًا أساسيًا للحياة السياسية، وكان التعايش فيه قاعدة وليس استثناء.
إن إعادة بناء دولة عراقية متماسكة لا يتطلب فقط إصلاحات دستورية وتعديلات انتخابية، بل يستلزم أيضًا نبذًا ثقافيًا وسياسيًا للروايات الطائفية المفروضة خارجيًا. فالعراق القوي يحتاج إلى هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الدينية والعرقية والقبلية.
الطائفية ليست قدر العراق المحتوم. إنها بناء مستورد، وبالتالي قابل للتفكيك وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بعيدًا عن هيمنتها.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

