Listen to the article
تقف فيروز اليوم شامخة في الذاكرة العربية كأيقونة فنية تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية، لتصبح صوتاً يوحد المشاعر ويلامس القلوب من المحيط إلى الخليج.
في صباحات دمشق الندية، وبيروت الهادئة، وبغداد المتيقظة، يتسلل صوت فيروز إلى البيوت العربية معلناً بداية يوم جديد. ظاهرة ثقافية فريدة جعلت من أغنيات هذه السيدة طقساً صباحياً أصيلاً في المنطقة، حيث أصبح الاستماع إليها عادة راسخة في وجدان الملايين.
نهاد حداد، المعروفة بفيروز، ولدت في بيروت عام 1935، لتبدأ مشوارها الفني في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. لكن شهرتها الحقيقية انطلقت مع تعاونها مع الأخوين رحباني، عاصي ومنصور، حيث شكل الثلاثي واحدة من أهم الظواهر الفنية في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة.
ما يميز فيروز عن غيرها من الفنانين هو قدرتها الاستثنائية على خلق حالة من الألفة والحميمية مع المستمع. صوتها العذب القادر على الانتقال بين طبقات صوتية مختلفة بانسيابية مذهلة، يمتلك خصوصية تجعل المستمع يشعر وكأن فيروز تغني له وحده.
وفي سوريا تحديداً، ارتبط اسم فيروز بالشام ارتباطاً وثيقاً، حيث غنت لدمشق أجمل الأغنيات، من “شام يا ذا السيف” إلى “سألوني الناس”، جاعلة من العاصمة السورية مدينة متوهجة في وجدان كل من يستمع إليها. وتحولت تلك الأغنيات إلى جزء من التراث الثقافي السوري، تتناقلها الأجيال وترتبط بهوية المدينة وتاريخها.
وعلى الصعيد الفني، قدمت فيروز أكثر من 800 أغنية متنوعة، تناولت من خلالها قضايا الحب والوطن والإنسان، بالإضافة إلى المسرحيات الغنائية التي أثرت المشهد الثقافي العربي، مثل “جسر القمر” و”بياع الخواتم” و”الشخص” وغيرها، والتي شكلت نقلة نوعية في المسرح الغنائي العربي.
ويبقى حضور فيروز في الساحة الفنية ظاهرة فريدة، إذ نجحت في تجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، واستطاعت أن تكون صوتاً جامعاً للعرب. فهي اللبنانية التي يعشقها السوريون والمصريون والعراقيون والخليجيون على حد سواء، والمسيحية التي يحبها المسلمون بمختلف طوائفهم، مجسدة بذلك نموذجاً للفن الراقي العابر للحدود والهويات الضيقة.
ورغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالمنطقة العربية على مدى العقود الماضية، ظلت أغنيات فيروز ملاذاً آمناً يلجأ إليه الناس للشعور بالطمأنينة وللحنين إلى زمن أكثر جمالاً ونقاءً، مما جعلها تُلقب بـ “سفيرة النجوم” و”جارة القمر”.
وعلى الرغم من تقدمها في السن وندرة ظهورها الإعلامي، إلا أن فيروز لا تزال حاضرة في قلوب محبيها، يتابعون أخبارها باهتمام ويحتفلون بأعمالها القديمة كما لو كانت وليدة اليوم. وتشير دراسات حديثة إلى أن جيل الشباب العربي لا يزال يقبل على الاستماع لأغاني فيروز، خاصة عبر منصات البث الرقمي، حيث تتجاوز نسب الاستماع لأغانيها ملايين المرات شهرياً.
وفي زمن الصراعات والانقسامات، تبقى فيروز رمزاً للقيم الإنسانية الأصيلة، وجسراً يربط بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال المختلفة، ولسان حال شعوب تتوق إلى الجمال والسلام والوئام. إنها ليست مجرد مطربة، بل هي ظاهرة ثقافية متكاملة ستظل خالدة ما دام هناك من يقدر الفن الأصيل ويبحث عن معنى للحياة في زمن مضطرب.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

