Listen to the article
في خضم جدل دستوري واسع، تواجه المحكمة الاتحادية العراقية انتقادات حادة بشأن نظامها الداخلي رقم (1) لسنة 2022، الذي يُتهم بتجاوز الصلاحيات الدستورية وتعديه على اختصاصات سلطات أخرى، مما يثير مخاوف حول استقلالية القضاء وتوازن السلطات في العراق.
أظهرت دراسة قانونية تفصيلية مواطن خلل جسيمة في النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العراقية الصادر عام 2022، حيث كشفت عن تناقضات واضحة مع الدستور والقوانين النافذة، خصوصاً عند مقارنته بسلفه النظام الداخلي لسنة 2005.
وينص قانون المحكمة الاتحادية رقم (30) لسنة 2005 المعدّل في مادته التاسعة على تخويل المحكمة إصدار نظام داخلي يحدد الإجراءات التنظيمية لعملها وكيفية قبول الطلبات وإجراءات الترافع. لكن النظام الجديد الذي أصدره رئيس المحكمة السابق جاسم العميري عام 2022 تجاوز هذه الحدود التنظيمية بشكل كبير.
وأبرز المآخذ على النظام الجديد تتمثل في منح المحكمة الاتحادية اختصاص القضاء الولائي، وهو ما يتعارض مع طبيعتها كمحكمة دستورية عليا. فالمادة (39) من النظام الجديد تتيح للمحكمة النظر في طلبات القضاء المستعجل والأوامر على عرائض، وهو ما يتناقض مع المادة (94) من الدستور التي تنص على أن قرارات المحكمة باتّة وملزمة.
المفارقة الدستورية تكمن في التساؤل: كيف يمكن لمحكمة تصدر قراراتها باتة وملزمة بموجب الدستور أن تصدر “أمراً ولائياً” يكون بطبيعته قابلاً للتظلم والتمييز حسب قانون المرافعات المدنية؟
كما أنشأت المادة (18/خامساً) من النظام صلاحية غير مسبوقة للمحكمة الاتحادية، تتيح الطعن أمامها في قرارات محاكم الموضوع المتعلقة برفض دعاوى الطعن بعدم الدستورية. هذا التجاوز دفع محكمة التمييز الاتحادية إلى إبطال هذا النص ضمنياً في قرارها المرقم (2389/استئنافية عقار/2025).
ويشير الخبراء القانونيون إلى أن المادة (21/ثالثاً) من النظام تخالف مبادئ المحاكمة العادلة وضمانات الدفاع المكفولة دستورياً، حيث تتيح للمحكمة نظر الدعاوى دون مرافعة، في مخالفة صريحة للمادة (19/رابعاً) من الدستور التي تنص على أن “حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة”.
وفي سابقة خطيرة، أباحت المادة (45) من النظام للمحكمة العدول عن مبادئها السابقة “كلما اقتضت المصلحة الدستورية والعامة”، وهو ما استُخدم بالفعل في قضية اتفاقية خور عبد الله، حيث عدلت المحكمة عن حكمها السابق البات والملزم الصادر في الدعوى (21/اتحادية/2014)، مما أحدث اضطراباً قانونياً ودبلوماسياً.
ولم تقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ منحت المادة (46) من النظام للمحكمة صلاحية التصدي لعدم دستورية أي نص تشريعي يتعلق بالنص المطعون فيه، حتى لو لم يكن مطروحاً في الدعوى الأصلية، مما يخالف مبدأ الحياد القضائي ويحول المحكمة إلى جهة تشريعية.
كما تجاوزت المادة (27) النص الدستوري بتنظيمها إجراءات تلقي طلبات الاتهام الموجهة إلى رئيس الجمهورية والفصل فيها، رغم أن الدستور في المادة (93/سادساً) اشترط تنظيم ذلك بقانون خاص لم يصدر بعد.
وفي تعدٍ آخر، فرضت المادة (18/أولاً) وصاية على محاكم الموضوع عبر منح المحكمة الاتحادية صلاحية فرض الاستئخار عليها، وتحديد آليات إرسال طلبات البت في دستورية النصوص، متدخلة في السلطة التقديرية لمحاكم الموضوع التي كفلها قانون المرافعات.
يرى خبراء دستوريون أن النظام الداخلي الجديد يعكس نهجاً قضائياً توسعياً يحاول الهيمنة على القرار الدستوري والقانوني في البلاد، ويدعون الرئاسة الجديدة للمحكمة الاتحادية إلى إلغائه والعودة إلى النظام الداخلي لسنة 2005، الذي اتسم بالانسجام مع الدستور والقوانين واحترام مبادئ الفصل بين السلطات.
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه العراق محاولات لترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وسط تحديات سياسية واقتصادية جمة تتطلب استقراراً قضائياً ودستورياً يضمن حقوق المواطنين ويحمي النظام الديمقراطي الناشئ.
وتبقى المحكمة الاتحادية، بوصفها أعلى سلطة قضائية في البلاد، محط أنظار المراقبين والخبراء القانونيين، الذين يتطلعون إلى إصلاح مساراتها بما يتوافق مع الدستور والمبادئ القانونية الراسخة، لتعود إلى دورها الأصيل كحامية للنظام الدستوري وضامنة لتوازن السلطات.
المصدر: جريدة الموصل ووكالات (اخبارية اخرى).

